ابن الحسن النباهي الأندلسي
247
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
في الشهادة على معرفة الخطّ ، وعدوّا قوله شذوذا ؛ إذ الخطّ قد يشبه الخطّ ، وليست شهادة على قول منه ولا معاينة فعل . وقال محمد بن حارث : الشهادة على الخطّ خطأ . ولقد قلت لبعض الفقهاء : « أتجوز شهادة الموتى ؟ » فقال : « ما هذا الذي تقول ؟ » قلت : « إنّكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته ، إذا وجدتم خطّه في وثيقة » . فسكت . ومن « الكتاب المقنع » : كان محمد بن عمر بن لبابة لا يجيز الشهادة على الخطّ في شيء من الأشياء ، استمرّ على ذلك إلى أن مات . وهو أحوط لحوالة الزمان وفساد أهله . وشهادة الأحياء ربّما دخلتها الدواخل ؛ فكيف بشهادة الموتى ؟ . وفي كتاب القاضي أبي الأصبغ بن سهل ، وقد قدّر مسائل من هذا النوع ، قال : من ضعف أمر الخطّ وضعف الشهادة ، أنّ رجلا ، لو قال ، وهو قائم صحيح « هذا خطّي ! ولست أذكر القصة ولا أحفظ المعنى الذي كتبت خطّي فيه » لما كانت شهادة ولا جازت جواز العلم والقبول ، فكيف يأتي رجل إلى خطّ غيره ، ويشهد عليه ، ويقطع أنّه كتابه وعمله ؛ فيمضي ذلك وينفّذ . وهذا هو الصحيح عندي ؛ لا أقول بغيره ، ولا أعتقد سواه ؛ وهو دليل « المدوّنة » وغيرها . ثم قال : لكني « 1 » أذهب إلى جواز ذلك في الأحباس خاصّة ، على ما اتّفق عليه شيوخنا - رحمهم اللّه - اتباعا لهم ، واقتداء بهم ، واستحسانا لما درجت عليه جماعتهم ، وقضى به قضاتهم ، وانعقدت به سجلّاتهم . وحسب المجتهد منا اتباع السلف ؛ فقد أجازوا غير ما شيء على الاستحسان وأخذوا به بالتخفيف ، وما أجمعوا على ذلك في الأحباس إلّا حيطة عليها ، وتحصينا أن تحال عن أحوالها ، وتغيّر عن سبيلها ، واتباعا لمالك وأصحابه في المنع من بيعها ، والمقابلة بها ، والمعاوضة فيها ، وإن خربت ، وذهب الانتفاع بها . واحتجّ ببقائها بالمدينة خرابا ، لا تحال عن وجوهها التي أثبتت فيها ؛ فظاهر اختيارهم هذا ، على ما ذكره ابن سهل ، يمنع من تجويز الشهادة على الخطّ في التقية وشبهها ، ممّا فيه توهينها ونقضها ؛ فلا يجوز إذا العمل به ، ولا يسوغ القول بذلك ، إلّا لمن اعتقد جواز الشهادة على الخطّ مطلقا ، ولم يخصّ شيئا من شيء لا حبسا ولا غيره ، وخالف ما اتفق عليه الشيوخ ، وجرى به العمل . وأمّا من ذهب مذهبهم
--> ( 1 ) في الأصل : « لاكني » .